Image Not Found

الخطاب السامي يؤكد على النزاهة

حيدر بن عبدالرضا اللواتي – عُمان
[email protected]

يتفاعل المجتمع العماني منذ عدة أيام من خلال وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي فيما ورد في الخطاب السامي تجاه الدلالات والمؤشرات التي تعني بضرورة أداء الوظيفة الحكومية والخاصة بكل أمانة ونزاهة وإخلاص، وتقدير المسؤولية التي يجب أن يتحلى بها كل شخص أوكلت إليه هذه المهمة سواء في العمل الحكومي أو الخاص. وبالنظر في الكلمات التي وردت في الخطاب، فإن جلالة السلطان هيثم بن طارق – حفظه الله ورعاه – تطرق إلى ضرورة محاربة آفة عدم النزاهة كمحاربة المرض العالمي الذي أصيبت به المجتمعات حاليا ألا وهو فيروس كورونا، الذي يفتك بمختلف الأفراد. فعدم الامانة والنزاهة والاخلاص مرض لو لم يتم القضاء عليه، فإنه سوف ينتشر ويتفشى في جميع المؤسسات والشركات والمجتمع بأكمله، وهو كالأخطبوط الذي تزداد أذرعه ويقوى، ومن ثم يجد مهربا له في حال وقوعه في أي مصيدة.

ومن هنا فإن الخطاب السامي حمل الكثير من المصطلحات التي تتناول هذا الشأن مثل الحوكمة والنزاهة والمساءلة والمحاسبة التي تعني الأداء النظيف، بجانب ما ورد في الخطاب من اعتزام الحكومة اتخاذ الإجراءات اللازمة لإعادة هيكلة الجهاز الإداري للدولة، وتحديث منظومة التشريعات والقوانين، بالإضافة إلى ضرورة تبسيط الإجراءات، وهذه جميعها هدفها محاربة عدم النزاهة بجميع صورها. ومتى ما توفرت هذه الأسس والإجراءات، فإن قضايا الناس والمراجعين والمستثمرين سوف تلقى مزيدا من الاهتمام والرعاية، وستتراجع البيروقراطية والترهل في المؤسسات والشركات الحكومية، وسيؤدي ذلك إلى تحقيق مزيد من الابتكار والإبداع والإنتاجية والجودة في العمل اليومي. ومن خلال هذه الأسس سوف يتمكن المجتمع العماني من مواجهة الصعوبات والمشاكل التي تتعرض لها أية دولة في أعمالها اليومية، الأمر الذي يتطلب تعزيز أساليب الإصلاح وأسسا متجددة ورجالا مخلصين بفكر نيّر ليقودوا هذه المسيرة التي بنى قواعدها المرحوم جلالة السلطان قابوس -طيب الله ثراه- ويواصلها اليوم خلفه السلطان هيثم بكل ثقة واقتدار في العهد الجديد. فقد أكد جلالة السلطان هيثم -حفظه الله- في خطابه الأخير بأنه عازم على مراجعة القوانين والإجراءات بالإضافة إلى أعمال الشركات الحكومية مراجعة شاملة بهدف تطوير أدائها ورفع كفاءتها وتمكينها من الإسهام الفاعل في المنظومة الاقتصادية، بجانب إعطاء مزيد من الحرص والعناية والمتابعة والدعم لدراسة آليات صنع القرار الحكومي وتطويرها لخدمة المصلحة الوطنية العليا. وخطاب جلالته يؤكد بأنه سوف يمضي ويعزّز من أركان الدولة العصرية ورفعتها، وإعلاء شأنها ومكانتها مثلما أراد لها باعث نهضتها الحديثة المرحوم السلطان قابوس -طيب الله ثراه- في السبعينيات من القرن الماضي. وهذه الخطوات الإدارية القادمة التي تحدث عنها السلطان هيثم هي التي ستحافظ على الإنجازات التي تحققت في العقود الخمسة الماضية، وستكون نبراسا للأجيال المقبلة ليعوا قيمة العمل والإنتاج والإبداع وإبعادهم عن الأنانية والمحسوبية والانتقائية في الأعمال بهدف الحفاظ على كل ما تحقق من الإنجازات في العقود السابقة والعمل على تنمية مختلف المجالات الأخرى.

إن السلطنة مقبلة في العام المقبل على بدء المرحلة الأولى من الخطة الخمسية العاشرة التي ستبدأ مع انطلاقة الرؤية المستقبلية «عمان 2040» التي وُضِعت لها العديد من الأهداف الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وتحقيق تلك الأهداف يتطلب وجود أُناس خُلصٍ وكادر نظيف يدرك معنى قيمة العمل والنزاهة في العملية الإنتاجية، وبعيد عن التفكير في المصالح الشخصية. فطموحات العمانيين كثيرة، خاصة لفئة الشباب الباحث عن العمل الذي ينتظر الآن الدور للحصول على الوظيفة المناسبة لخدمة نفسه ووطنه وأسرته. وهذا لا يمكن تحقيقه إلا بوجود جهاز إداري كفء ومخلص يعمل في بيئة إدارية نظيفة تتمتع بمنظومة من القوانين والتشريعات والبرامج المستحدثة التي تناسب والعقد الجديد من الحكم.

إن العمل بالإخلاص وبالنزاهة يعني الالتزام بالمبادئ والأخلاق والأسس، والبعد عن التفكير في تحقيق المصالح الشخصية على حساب مصالح المواطنين، والنظر دائما إلى كل أمر إيجابي في الموضوع، وما يمكن تحقيقه للوطن والمواطن. وعندئذ يمكن أن يستحق الموظف على حقوقه بوسائل العدل والإنصاف. وتطبيق تلك المبادئ هي التي يمكن من خلالها جذب شراكات عالمية وتطوير مجالات التطوير والتدريب والبحوث والدراسات في المجتمع، الأمر الذي يتطلب تضافر جهود المسؤولين والعاملين في المؤسسات الحكومية والخاصة لتعزيزها، والعمل على إيجاد وإحداث شراكات حقيقية في مختلف المجالات لتحقيق مزيد من الإيجابية والتقدم للمؤسسات وتحقيق مزيد من الإنتاجية والإبداع في المجتمع العماني.

ومحاربة الفساد تحتاج إلى عملية المتابعة والرقابة والمحاسبة. والسلطنة ما زالت متخلفة في مؤشر الفساد العالمي ولو أنها متقدمة أمام الدول العربية. فوفق بيانات منظمة الشفافية الدولية الأخيرة لعام 2019، فإن السلطنة احتلت المرتبة 56 عالميا في مكافحة الفساد، بينما جاءت الرابعة ضمن الدول العربية بحصولها على 52 درجة من 100 درجة. وهنا لا نريد أن نقيد أنفسنا بالدول العربية في هذا المؤشر، وإنما علينا أن ننظر إلى ما تقوم به الدول الأخرى على المستوى العالمي في مكافحة الفساد والعمل بكل نزاهة وإخلاص. فبيانات المنظمة تشير إلى عدم تمكن معظم الدول العربية من محاربة آفة الفساد المستشري في مؤسساتها الرسمية وفي مؤسسات القطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني. ومن بين أهم الدول التي احتلت المراكز العشرين المتقدمة في هذا المؤشر، لم نجد دولة عربية واحدة جاءت بينها، فيما تصدرت كل من الدنمارك ونيوزلندا قائمة الدول الأكثر محاربة للفساد في مؤسساتها بحصولهما على 87 درجة من 100 درجة، وجاءت في المركز الثالث فنلندا التي حصلت على 87 درجة. هذه المؤشرات توحي بأن الدول الأوروبية أكثر حرصا على محاربة الفساد من بقية الدول في العالم، بينما تأتي معظم الدول الأفريقية والشرق الأوسطية في أسفل القائمة، إذ أن أكثر من 120 دولة حققت نتائج دون حصولها على 50 درجة.

ومثل هذه التقارير الصادرة عن بعض المؤسسات الدولية التي تعني بقضايا محاربة الفساد يجب النظر إليها بكل تمعن، والعمل على إصلاح الأمور إلى الأحسن والأجود. فالكثير من الدول تئن من الفساد نتيجة لغياب النزاهة والحوكمة والمتابعة والرقابة في الأمور الإدارية، حيث إن بعضها تمضي في مخالفة للتشريعات والقوانين، فيما يمارس البعض أساليب تتسم بالبيروقراطية من أجل الحصول على المنافع الشخصية، الأمر الذي يتطلب من الجميع العمل بأسلوب شفاف ووفق الأسس والتشريعات مع ضرورة عزل الفاسدين من أجل تغيير واقع الحياة في المؤسسات وتكثيف عمليات التدقيق والمراقبة وتعزيز المساءلة القانونية والشفافية في وسائل الإعلام.

ومن هذا المنطلق لمّح جلالته في خطابه الأخير إلى ضرورة اتخاذ الإجراءات اللازمة لإعادة هيكلة الجهاز الإداري للدولة، وتحديث منظومة التشريعات والقوانين وآليات وبرامج العمل وإعلاء قيمه ومبادئه وتبني أحدث أساليبه، بهدف ضمان المواءمة الكاملة والانسجام التام مع متطلبات الرؤية القادمة 2040 للسلطنة، مع العمل بضرورة مراجعة أعمال الشركات الحكومية والعاملين بها من أجل تطوير أدائها ورفع كفاءتها نحو الأفضل، لتتمكن هذه المؤسسات من الإسهام الفاعل في المنظومة الاقتصادية، ولتبقى مؤسسات حضارية وفاعلة في تحقيق النتائج الإيجابية خلال المرحلة القادمة التي تؤكد على أهمية التوجه نحو استغلال الأمثل للقطاعات الاقتصادية غير النفطية بصورة حقيقية، وليست من خلال التصريحات الشفوية والزخم الإعلامي.

مرتبط